فخر الدين الرازي

103

تفسير الرازي

أن يصير ذلك سبباً لوقوع التفرقة وزيادة الفتنة . الوجه الثاني : أن هذا قول عبدة العجل والمراد أن غيرنا أوقع الشبهة في قلوبنا وفاعل السبب فاعل المسبب ومخلف الوعد هو الذي أوقع الشبهة فإنه كان كالمالك لنا . فإن قيل : كيف يعقل رجوع قريب من ستمائة ألف إنسان من العقلاء المكلفين عن الدين الحق دفعة واحدة إلى عبادة العجل الذي يعرف فسادها بالضرورة ، ثم إن مثل هذا الجمع لما فارقوا الدين وأظهروا الكفر فكيف يعقل رجوعهم دفعة واحدة عن ذلك الدين بسبب رجوع موسى عليه السلام وحده إليهم ، قلنا : هذا غير ممتنع في حق البله من الناس ، واعلم أن في بملكنا ثلاث قراءات ، قرأ حمزة والكسائي بضم الميم ونافع وعاصم بفتح الميم وأبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالكسر ، أما الكسر والفتح فهما واحد وهما لغتان مثل رطل ورطل . وأما الضم فهو السلطان ، ثم إن القوم فسروا ذلك العذر المجمل فقالوا : * ( ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم ) * قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر حملنا مخففة من الحمل وقرأ ابن كثير ونافع وحفص وابن عامر : حملنا مشددة ، فمن قرأ بالتخفيف فمعناه حملنا مع أنفسنا ما كنا استعرناه من القوم ومن قرأ بالتشديد ففيه وجوه : أحدها : أن موسى عليه السلام حملهم على ذلك أي أمرهم باستعارة الحلي والخروج بها فكأنه ألزمهم ذلك . وثانيها : جعلنا كالضامن لها إلى أن نؤديها إلى حيث يأمرنا الله . وثالثها : أن الله تعالى حملهم ذلك على معنى أنه ألزمهم فيه حكم المغنم ، أما الأوزار فهي الأثقال ومن ذلك سمي الذنب وزراً لأنه ثقل ثم فيه احتمالات . أحدها : أنه لكثرتها كانت أثقالاً . وثانيها : أن المغانم كانت محرمة عليهم فكان يجب عليهم حفظها من غير فائدة فكانت أثقالاً . وثالثها : المراد بالأوزار الآثام والمعنى حملنا آثاماً ، روي في الخبر أن هارون عليه السلام قال : إنها نجسة فتطهروا منها ، وقال السامري : إن موسى عليه السلام إنما احتبس عقوبة بالحلي فيجوز أن يكونوا أرادوا هذا القول . وقد يقول الإنسان للشيء الذي يلزمه رده هذا كله إثم وذنب . ورابعها : أن ذلك الحلي كان القبط يتزينون به في مجامع لهم يجري فيها الكفر لا جرم أنها وصفت بكونها أوزاراً كما يقال مثله في آلات المعاصي . أما قوله : * ( فقذفناها ) * فذكروا فيه وجوهاً في أنهم أين قذفوها ؟ الوجه الأول : قذفوها في حفرة كان هارون عليه السلام أمرهم بجمع الحلي فيها انتظاراً لعود موسى عليه السلام . والوجه الثاني : قذفوها في موضع أمرهم السامري بذلك . الوجه الثالث : في موضع جمع فيه النار ثم قالوا : فكذلك ألقى السامري أي فعل السامري مثل ما فعلنا ، أما قوله : * ( فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ) * فاختلفوا في أنه هل كان ذلك الجسد حياً أم لا ؟ فالقول الأول : لا لأنه لا يجوز إظهار خرق العادة على يد الضال بل السامري صور صورة على شكل العجل وجعل فيها منافذ ومخارق بحيث تدخل فيها الرياح فيخرج صوت يشبه صوت العجل . والقول الثاني : أنه صار حياً وخار كما يخور العجل واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : قوله : * ( فقبضت قبضة من أثر الرسول ) * ( طه : 96 ) ولو لم يصر حياً لما بقي لهذا الكلام فائدة . وثانيها : أنه تعالى